الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

27

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

فأحيانا يصل الإنسان بعد مشاهدته لهذه الآثار التوحيدية العظيمة إلى مقام الشهود . ثم أشار تعالى إلى ذاته القدسية ، حيث يقول : ذلكم الله ربكم حقا لو كانت هناك عين بصيرة فيمكنها أن تراه إنه وراء هذه الآثار . . . فعين الجسم ترى الآثار ، وعين القلب ترى خالق الآثار . عبارتي " ربكم " و " له الملك " تدلان في الحقيقة على حصر الربوبية بذاته الطاهرة المقدسة ، والذي اتضح بصورة جيدة في عبارة لا إله إلا هو فعندما يكون هو الخالق والمالك والمربي والحاكم لكل عالم الوجود ، فما هو دور غيره في هذا العالم كي يستحق العبودية ؟ ! وهنا تصرخ الآية بوجه مجموعة من النائمين والغافلين قائلة : فأنى تصرفون أي كيف ضللتم وانحرفتم عن سبيل التوحيد ( 1 ) ؟ بعد ذكر هذه النعم الكبرة التي من بها البارئ عز وجل على عباده ، تتطرق الآية التالية إلى مسألة الشكر والكفر ، وتناقش جوانب من هذه المسألة . وفي البداية تقول : إن تكفروا فإن الله غني عنكم اي إن تكفروا أو تشكروا فإن نتائجه تعود عليكم ، والله غني عنكم في حال كفركم وشكركم . ثم تضيف ، إن غناه وعدم احتياجه لا يمنعان من أن تشكروا وتتجنبوا الكفر ، لأن التكليف إنما هو لطف ونعمة إلهية ، نعم ، قال تعالى : ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ( 2 ) . وبعد استعراض هاتين النقطتين تستعرض الآية نقطة ثالثة وهي

--> 1 - نلفت الانتباه إلى أن ( أنى ) تأتي أحيانا بمعنى ( أين ) وأحيانا أخرى بمعنى ( كيف ) . 2 - وفق القراءات المشهورة ، فإن ( يرضه ) تقرأ بضم الهاء وبدون إشباع الضمير ، لأنها كانت في الأصل ( يرضاه ) وقد أسقطت الألف بسبب الجزم وأصبحت ( يرضه ) والضمير فيها يعود على الشكر . ورغم أن كلمة ( شكر ) لم ترد من العبارة السابقة بصورة صريحة ، إلا أن عبارة ( إن تشكروا ) تدل عليها ، كما هو الحال بالنسبة إلى الضمير في اعدلوا هو أقرب للتقوى الذي يعود على العدالة .